صديق الحسيني القنوجي البخاري

494

فتح البيان في مقاصد القرآن

التحذير من أن تقول هذه المقالة وتستمر على الضلالة فقد اختلط الشر بالخير ، والصحيح بالسقيم ، وفاسد الرأي بصحيح الرواية ولم يبعث اللّه إلى هذه الأمة إلا نبيا واحدا أمرهم باتباعه ونهاهم عن مخالفته فقال وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] ولو كان محض رأي أئمة المذاهب وأتباعهم حجة على العباد لكان لهذه الأمة رسل كثيرون متعددون بعدد أهل الرأي المكلفون للناس بما لم يكلفهم اللّه به . وإن من أعجب الغفلة وأعظم الذهول عن الحق اختيار المقلد لآراء الرجال مع وجود كتاب اللّه ووجود سنة رسوله بين ظهرانيهم ، ووجود من يأخذونهما عنه بين أيديهم ووجود آلة الفهم لديهم وملكة العقل عندهم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 29 إلى 30 ] قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 30 ) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ أي العدل وبه قال مجاهد والسدي ، وفيه أن اللّه سبحانه يأمر بالعدل لا كما زعموه من أن اللّه أمرهم بالفحشاء وقيل القسط هنا هو لا إله إلا اللّه قاله ابن عباس ، وقيل في الكلام حذف أي قل أمر ربي بالقسط فأطيعوه . وَأَقِيمُوا عطف على المحذوف المقدر وقيل عطف على معنى بالقسط وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي توجهوا إليه في صلاتكم إلى القبلة في أي مسجد كنتم أو اقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها في كل وقت سجود ، أو في كل مكان سجود على أن المراد بالسجود الصلاة قال مجاهد إلى الكعبة حيث صليتم في كنيسة أو غيرها وقيل اجعلوا سجودكم للّه خالصا ، وقيل غير ذلك والأول أولى . وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي اعبدوه حال كونكم مخلصين الدعاء أو العبادة له لا لغيره وقيل وحدوه ولا تشركوا به كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ قال السمين تقديره تعودون عودا مثل ما بدأكم وقيل تقديره تخرجون خروجا مثل ما بدأكم ذكرهما مكي ، والأول أليق بلفظ الآية الكريمة . قال الزجاج : كما أنشأكم في ابتداء الخلق وأوجدكم بعد العدم كذلك يعيدكم فالتشبيه في نفس الإحياء والخلق لا في الكيفية والترتيب ، فيكون المقصود الاحتجاج على منكري البعث فيجازي المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته . وقيل كما أخرجكم من بطون أمهاتكم تعودون إليه كذلك ليس معكم شيء فيكون مثل قوله تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الأنعام : 94 ]